حركة التنوير الاسلامي في القرن 21 ( الحلقة الثالثة )

تطور الفكر الاسلامي وقضية الأحزاب

تعدد الرؤى الاسلامية واشكالية الحكم

التجارب الاسلامية في أفغانستان والسودان وغزة
عبد الباقي خليفة *

 

كثيرا ما نسمع السؤال الاستنكاري عن موقف الحركة الاسلامية من تعدد الاحزاب والتداول السلمي على السلطة وتطبيق الشريعة الاسلامية ، وهذا السؤال لا يحمل طابع الاستنكار فحسب ، بل يحمل في طياته الاجابة ، وليس في حاجة في نظر الكثيرين ممن يرددونه للاستماع للجهة المعنية بالسؤال . وإذا سمعوا ما لم يعجبهم سماعه ، و عكس ما كانو يعتقدونه أصروا على أن ذلك لا يعبر عن حقيقة الموقف ! وهو ما يعني أن المسكونين بذلك السؤال الاستنكاري لا يريدون للحركة الاسلامية الخروج من قفص الاتهام ، وإدانتها بما هي منه براء . لقد مرت الحركة الاسلامية بمراحل تطور كثيرة ،وهي حركة لها مفهوم للسياسة يختلف عن بقية الاحزاب و الايديولوجيات ، ومن المفارقة أن ينتقد البعض الحركة الاسلامية لأنها تقرن السياسة بالاخلاق بينما السياسة في نظرهم دنسة ” ( هكذا ) وفي نفس الوقت يتهمون الحركة بأنها تمارس التكتيك السياسي في مواقفها المعلنة . وكان على هؤلاء تحديد موقفهم من الحركة ،هل هي تخلط ما لا يمكن خلطه – حسب اعتقادهم – وهي خلط السياسة بالاخلاق ، أو تمارس السياسة ( الدنسة ) . والاجابة على هذ السؤال يقود إلى حقيقة واحدة هي إما أن نثبت أن الحركة تخلط بين السياسة والاخلاق ، وننفي عنها ازواجية الخطاب ،أو نثبت الاتهام وننفي عدم خلطها بين السياسة والاخلاق .لأنه لا يمكن الجمع بين النقيضين في آن واحد .وفي الحالة الاولى يوجه هؤلاء اتهامات خطيرة لأنفسهم ،بأن لا وزاع لديهم في ممارسة السياسة من خلال المقولة الخطيرة الملغمة كل شئ جائز في الحب والسياسة ،وفي الحالة الثانية يضع هؤلاء الحركة الاسلامية في نفس الخانة التي يضعون أنفسهم فيها ، ما دام لا دخل للاخلاق في السياسة ولا سياسة في الاخلاق . فلماذا اللوم والتشنيع إذن ؟!!!

تطور الفكر الاسلامي وقضية الأحزاب

والحقيقة هي أن الحركة الاسلامية طورت كثيرا من خطابها ولا زالت تطور في هذا المجال ولا سيما في المجال السياسي والمشاركة في الحكم ، فهي قد تنازلت ،تقريبا ،عن مبدأ التداول على السلطة والحكم بمفردها في حال فازت في الانتخابات ،إلى المشاركة ، وهو ما أوضحه الشيخ راشد الغنوشي حفظه الله في أكثر من منبر وأكثر من موضع الثلث والثلث كثير وعندما يحدد مرجع مثل ، الغنوشي ، حظ الحركة الاسلامية من السلطة إنما يفعل ذلك لتطمئنة الشركاء في الوطن ،حكومة ومعارضة ، بأن الحركة الاسلامية لا تريد استئثارا بالسلطة حتى وإن حققت نصابا يسمح لها بتشكيل الحكومة بمفردها . ولا أعتقد بأن هناك تنازل بهذا الشكل يقع في أي مكان من العالم . إن ذلك وإن عبر عن شئ ، فإنما يعبر نضج فكري وسياسي ومرونة لا تتأتى سوى من ثقة عالية في النفس ، والنقيض ما نشاهده في أكثر من بلد عربي ( … ) والقارئ لا تعوزه الأمثلة !!!

إن هذا الطرح يجيب على تهمة أن الحركة الاسلامية تريد انتخابات لمرة واحدة ،أو أنها تريد الاستئثار بالحكم أو الاستيلاء عليه وغيرها من الاتهامات الممجوجة . وبخصوص الشريعة الاسلامية ، فلا يمكن تطبيقها ما لم تصبح مطلبا جماهيريا ، حتى لا تكون فتنة ، في ظل أوضاع تشبه عام الرمادة .

لقد تطورت الحركة الاسلامية على أصعدة كثيرة نذكر منها ثلاث تطورات ،الاولى رفضها السابق وجود أحزاب ، وأصبحت اليوم تقر بوجودها وضرورة التعاون معها ، في الحكم كانت أو المعارضة . كانت الحركة الاسلامية لا ترى مجالا لتولي المرأة منصب رئيس الدولة ، وأصبحت تعطيها هذا الحق . ولم تكن الحركة الاسلامية تقر بحق غير المسلم في تولي رئاسة الدولة ،وأصبحت تؤمن بحقه في ذلك .ويرجع الفضل في ذلك للحركة الاسلامية التونسية ورئيسها الشيخ راشد الغنوشي الذي ساهم مشكورا في تطوير الخطاب الاسلامي وفي التعامل مع الواقع ، بل إن فكر الرجل يشهد تطورا ملحوظا ،وراجع حتى بعض ما ورد في كتابه الحريات في الدولة الاسلامية خاصة فيما يتعلق برئاسة غير المسلم للدولة الاسلامية . بينما اشترط على رئيس الارجنتين الاسبق كارلوس منعم ،تغيير دينه ليصبح رئيسا للارجنتين ، وكادت شبهة اسلام براك أوباما أن تطيح به من سباق الرئاسة في الدولة ( الراعية للديمقراطية والحريات في العالم ) . بل شهد تاريخ فرنسا الحديث سقوط وزير مالية ناجح لأنه بروتستانتي !

تعدد الرؤى الاسلامية واشكالية الحكم

يطرح البعض ( ومن بينهم الباعوريين نسبة لابن باعوراء ) سؤالا استنكاريا آخر،وهو أي اسلام نحكم ( بتشديد الكاف وكسرها ) طالما أن هناك حركات اسلامية متعددة . والجواب سهل للغاية وهو أن الحركات الاسلامية يمكنها تشكيل أحزاب سياسية وخوض الانتخابات ، ومن يفوز منها يطبق برنامجه الانتخابي أويتوافق مع أحزاب أخرى . وقد رأينا ذلك في باكستان حتى أن بعض الاحزاب الاسلامية تحالفت مع أحزاب علمانية . وفي تركيا خاض أكثر من حزب اسلامي ( الرفاه ) الانتخابات التي فاز فيها ، حزب العدالة والتنمية ، ولم يكن هناك أي اشكال سياسي أوفقهي أوخلافه .

المشكلة لا تكمن في الفكر الاسلامي ولا في الحركات الاسلامية ، وإنما في التصورات غير الموضوعية للفكر وللحركة الاسلامية لدى البعض ،حتى أن باحثين معروفين سقطوا في هذا الفخ ،وهو وضع الفكر الاسلامي في قالب اللاهوت النصراني ، ففرقوا بين الايمان والعقل والغيب والتجربة واليقين والشك .وكما سلف في الحلقات السابقة فإن هذه التقسيمات غير موجودة في الاسلام ، فالدين مبني على العقل . وبينما نجد القرآن يؤكد على فاعلم أنه لا إله إلا الله فإن النصرانية تقول لاتباعها آمن ثم فكر والاسلام فكر ثم آمن وفي قصة ابراهيم التي فهمها البعض خطأ ( وبالحجة ) فإن ابراهيم عليه السلام لم يشك كما ذهب إلى ذلك حسن حنفي ، وينسب لحسن الترابي أيضا – فعندما سأله ربه ألم تؤمن قال بلى ،ولكن ليطمئن قلبي وهذا هو المنهج الاسلامي = الايمان بالدليل ، بما يعني العلم التجريبي وبالبرهان . فكيف فات الحسنين ذلك ، وهو واضح في القرآن ؟!

التجارب الاسلامية في أفغانستان والسودان وغزة

مما يشنع به على الحركة الاسلامية التجارب الاسلامية في أفغانستان ، طلبان ، والسودان ، وغزة . وقيل حول ذلك الكثير، رغم أنها تجارب مختلفة ،وواجهت تحديات متباينة داخلية وخارجية . فحركة طالبان حركة غير مسيسة في الأصل ، وثقافتها الدينية عتيقة جدا ، والمدارس التي تخرج منها قادتها لا تختلف كثيرا عن مدارس القرن الرابع الهجري ، ولم يقع في مقاربتها أي ملائمة للعصر وفق مقولة ابن مسعود رضي الله عنهالقرآن يفسره الزمان كما حصل في السعودية والازهر وغيره ،ولم يعرف قادتها أصول الحكم والادارة ، فحكمو حكما قبليا بغطاء ديني هو أبعد ما يكون عن روح الاسلام . لم يكن ينقص طالبان الحماس الديني أوالرغبة في تطبيق الشريعة ، لكن كان ينقصهم علم الكيف وفق روح العصر ومتطلبات الزمان والمكان والظروف والمعطيات ذات العلاقة في الداخل والخارج . وبالتالي فإن التجربة الطالبانية تجربة خاصة ، لا يمكن تعميمها على الفكر الاسلامي أوجعلها مسبة للحركة الاسلامية ، إنما يفعل ذلك العجزة والمغرضون .وبالمقابل استطاعت حركة طالبان القضاء على زراعة الحشيش ، وأشاعت الأمن في ربوع أفغاستان ، وقضت على الجريمة المنظمة و الفساد ،وكل ذلك عاد إلى افغانستان في عهد ما يطلق عليه الاعلام الغربي عمدة كابل كرزاي .

في السوادن كانت الحركة الاسلامية ولا زالت من الحركات التي اكتسبت تجربة ثرية في العمل الميداني ، ورغم ما يقال حول الجرعة الديمقراطية الموجودة في السوادن حاليا ، ورغم عدم رضا الكثير من قادة الفكر الاسلامي ومن الناشطين الاسلاميين على الوضع الديمقرطي في السودان ، وأن الحركة هناك لم تقدم المثال المطلوب لحكم اسلامي ديمقراطي تعددي ، إلا أن وضع السوادن في ظل حكم البشير أفضل بكثير من الدول العربية الاخرى باستثناء موريتانيا . فالأحزب السودانية ممثلة في البرلمان ، وقادتها يوجهون النقد اللاذع للسلطة من داخل وخارج السودان ويبدون آراءهم بكل حرية ، حتى أن اسلاميي تونس على سبيل المثال يتمنون لو كانوا يحظون في بلدهم بعشر ما تتمتع به المعارضة السودانية في السوادن . لقد واجهت الحركة الاسلامية السودانية تحديات كبيرة جدا ، أولها مشكلة الجنوب التي استنزفت السودان وزادت ضراوتها بعد ١٩٨٩ م ، وما كاد السودان أن يلتقط أنفاسه حتى تفجر الوضع في دارفور ، وتغيرت الاجندة من صراعات على الرعي إلى مطالب سياسية تعجيزية .ولا ننسى أن السودان ورغم غناه بالمياه والاراضي الزراعية كان يعيش على المساعدات الاقتصادية بنسة ٥٠ في المائة ،انقطعت مباشرة بعد الثورة ،وليتصور المرء بلد هذا حاله كيف يعيش ، ومع ذلك استطاع السودان رد الزحف الجنوبي الذي بات يهدد العاصمة عشية الثورة ،واستطاع تفجير البترول وهو ما لم تفعله أي حكومة سابقة ، وأقام مشاريع تنموية منها تعبيد طرق وبناء سدود وإقامة صناعات ثقيلة ما لم يعهده السودان في ما مضى من تاريخه الذي أعقب الاستقلال .

أما حماس فكيفيها شرفا أنها تنازلت عن أغلبيتها وقبلت بتشكيل حكومة وطنية مع فتح . ويكفيها شرفا أنها تقاوم ،ويكفيها شرفا أنها أجبرت العدو الصهيوني على توقيع معاهدة وقف اطلاق نار معها .بعد تهديد ووعيد تبين أنه جعجعة بدون طحين . ويكفيها شرفا أنها صمدت في ظل الحصار مدة عام . ولو قدر لحماس إدارة الموارد التي كانت تديرها فتح قبل الفوز في الانتخابات لحققت المعجزة الحقيقية في الضفة والقطاع ، لكن التآمر عليها داخليا وصهيونيا وعربيا ( رسميا ) ودوليا منعها من تقديم النموذج الاسلامي في إدارة المورد بأيد نظيفة .ويكفيها شرفا أنها قضت على الجريمة وتجارة المخدرات وجرائم الشرف .ويكفيها شرفا أنها تاج على رأس كل شريف من أبناء هذه الامة . والكل يعلم أنه لولا الحصار لقدمت البرهان على مدى جدية الاسلاميين عندما يتلون زمام الامور .

* كاتب وصحافي تونسي

Related posts

Leave a Comment